السيد كمال الحيدري
70
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
فإذا ثبتت القاعدة ، كان من نتائجها أنّ الفعل الإنسانى يستند في صدوره إليه بشكل تامّ ومستقلّ ، دون أدنى صلة بالله ( العلّة المحدثة ) الذي اقتصر دوره على إيجاد الإنسان للمرّة الأولى وحسب ، ثمّ انقطعت صلته به . يقول السيّد الخوئي : « وقد استُدلّ على هذه النظرية بأنّ سرّ حاجة الممكنات وفقرها إلى العلّة هو حدوثها ، وبعده فلا تحتاج إليها أصلًا ، لاستغناء البقاء عن الحاجة إلى المؤثِّر . وعليه فالإنسان بعد خلقه وإيجاده لا يحتاج في بقائه إلى إفاضة الوجود من خالقه ، فإذن بطبيعة الحال يستند صدور الأفعال إليه استناداً تامّاً لا إلى العلّة المحدثة » « 1 » . ج : الدافع للإيمان بالنظرية لماذا مال المعتزلة إلى هذه النظرية ؟ وما هو الباعث من وراء إيمانهم بها ؟ في الحقيقة كان الحافز الذي دفع العقل الاعتزالى إلى نسبة صدور الأفعال إلى الإنسان مباشرة وعلى نحو الاستقلال ، يكمن بحرص هذا العقل على أصل العدل الإلهى « 2 » . فقد لاحظ المعتزلة بحقّ أنّ هناك جملة من القبائح تصدر عن الإنسان مثل الكفر والظلم والسيئات والشرور وغير ذلك ممّا يتنزّه الله عنها ولا تنسجم مع العدل الإلهى . ففي إطار التصوّر الاعتزالى ليس من العدل أن
--> ( 1 ) محاضرات في أصول الفقه ، ج 2 ، ص 78 . ( 2 ) رغم أنّ العقيدة الاعتزالية ترجع في بنيتها التأسيسيّة إلى مبادئ خمسة ، هي : التوحيد ، العدل ، والمنزلة بين المنزلتين ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ثمّ الوعد والوعيد ، إلّا أنّ العدل يحتلّ موقعاً مهمّاً في المنظومة الاعتزالية حتّى ليمكن القول إنّ أغلب نظريات المعتزلة تندرج في هذا المبدأ الذي اشتهروا فيه حين لقّبوا بالعدلية أو بأهل العدل والتوحيد . للمزيد عن هذا الأصل وإشعاعاته على مسائل الحرية والاختيار الإنسانى والقضاء والقدر ، وما له من معطيات اجتماعية وسياسية ، ينظر : أصل العدل عند المعتزلة ، هاشم إبراهيم يوسف ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 1413 ه 1993 م .